بقلم المستشار القانوني : محمد جاسم الذوادي
تُعد الحضانة من أكثر الموضوعات القانونية حساسية في قضايا الأحوال الشخصية، لما لها من أثر مباشر على الطفل والأسرة والمجتمع.
وفي مملكة البحرين، ينظم قانون الأسرة حق الحضانة والرؤية بما يضمن مصلحة المحضون ويحقق مصالحه الفضلى.
إلا أن الواقع العملي يكشف عن إشكالية متكررة تتمثل في حرمان أحد الأبوين، وغالبًا الولي (الأب)،
من رؤية المحضون، إما عن طريق الامتناع عن تنفيذ حكم الزيارة، أو من خلال التحريض ضد الولي وإفساد علاقة الطفل به،
وهو أمر يخل بمقاصد الشريعة والقانون ويؤدي إلى أضرار نفسية واجتماعية.
الإطار القانوني في البحرين

ينظم قانون الأسرة البحريني مسألة الحضانة والولاية والرؤية، حيث تنص المادة (123) من القانون
على أن الحضانة تعني “حفظ الولد وتربيته ورعايته بما لا يتعارض مع حق الولي في الولاية على النفس”،
وهو ما يدل على أن المشرع البحريني راعى مسألة الموازنة بين حق الحاضن وحق الولي.
كما أكدت المادة (138) من ذات القانون، على أحقية الطرف غير الحاضن، وهو عادةً الأب أو أحد أقاربه في حال غيابه، في رؤية المحضون وزيارته ومرافقته، على أن تُنظَّم هذه المسائل من قبل المحكمة – في حال تعذر الاتفاق
– بما يتوافق مع مصلحة الطفل،
ومراعاة عمره، وظروفه الصحية والتعليمية،
ومكان إقامته، وذلك وفقاً لما قررته
المادة (139) من ذات القانون.
غير أن الواقع العملي يبيّن أن بعض الحاضنين يتعمدون منع تنفيذ حق الزيارة أو التحريض على قطع العلاقة بين المحضون ووليه،
مستغلين ما ورد في نص المادة (139)
من عدم جواز تنفيذ حكم الزيارة جبراً،
وهو ما يخالف جوهر القانون وقصد المشرع،
ويمثل إساءة لا تقل خطورة عن الإهمال
البدني أو النفسي.
وحيث أن المشرع البحريني استحدث القانون رقم (4) لسنة 2021 بهدف تحقيق العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة، وقرر في المادة (1) منه على ان تكون لمصالح الطفل الفضلى الأولوية في جميع الأحكام والقرارات والإجراءات المتعلقة به، أياً كانت الجهة التي تصدرها أو تباشرها. كما وضح في المادة (40) من ذات القانون سوء المعاملة بأنها كل فعل أو امتناع من شأنه أن يؤدي إلى أذىً مباشر أو غير مباشر للطفل يحول دون تنشئته ونموه على نحو سليم وآمن وصحي، ويشمل ذلك سوء المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية أو الإهمال أو الاستغلال الاقتصادي.
التحريض ضد الولي: جريمة صامتة في حق المجتمع
التحريض ضد أحد الوالدين يُقصد به زرع مشاعر الكراهية أو الخوف أو الرفض لدى الطفل تجاه والده أو والدته، من خلال تكرار الحديث السلبي عنه أو تشويه صورته أو ترويعه منه. وتُعرف هذه الممارسات دوليًا بمصطلح “الاغتراب الوالدي “، وهي سلوكيات قد لا تكون ملموسة ماديًا، ولكنها تترك أثراً عميقاً في نفسية الطفل وتؤثر على تطوره العاطفي والاجتماعي وتنشئته على نحو سليم وآمن، بما يؤثر على كيان الاسرة والمجتمع معاً.
وعلى الرغم من أن المشرع البحريني استحدث قانون لحماية الطفل من سوء المعاملة كما اسلفنا، الا انه لم يورد فيه اي نص خاص يقرر بشكل واضح وصريح على تجريم التحريض الأسري، ولا تزال مسألة الامتناع عن تنفيذ حكمي الحضانة او الزيارة مجرمة بموجب نص المادة (318) من قانون العقوبات.
وحيث أن القانون أعطى القاضي صلاحيات واسعة في تقدير مصلحة الطفل واتخاذ تدابير وقائية عند ثبوت ضرر المحضون من مثل هذه الممارسات، وقد يترتب على ذلك إنذار الحاضن أو سحب الحضانة منه إذا استمر في الإضرار بالعلاقة بين الطفل ووليه، إلا أننا لا نزال أمام مشكلة عملية تتمثل في صعوبة اثبات هذه الواقعة وطريقة التعامل معها أمام الجهات المختصة.
الآثار النفسية والاجتماعية
تتعدى آثار الحرمان من الرؤية أو التحريض على أحد الوالدين الجانب القانوني لتصيب عمق البناء النفسي والاجتماعي للطفل والأسرة والمجتمع، فنجد آثارها على الطفل تتمثل في الشعور بالارتباك، وفقدان الثقة، والمعاناة من صراعات داخلية تجاه الوالدين، وقد تظهر أعراض نفسية أخرى مثل القلق، الانطواء، أو العدوانية.
في حين أن آثار هذه الجريمة على الولي المحروم عديدة ومنها أنها تتسبب في ألم نفسي كبير، وشعور بالعجز والاغتراب عن حياته الأسرية، ما ينعكس على قدرته على العمل والتفاعل الاجتماعي، وتحد من قدرته في القيام بواجباته تجاه المحضون. وهو ما يوثر بطبيعة الحال على الاسرة والمجتمع أيضاً، خصوصاً حينما ينتج عن النزاعات الأسرية تفكك في الروابط الاجتماعية، وزيادة في معدلات الطلاق، وارتفاع في أعداد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات أسرية، وهو ما قد يساهم في تزايد معدل الجريمة لدى البعض من هذه الفئة من الأطفال.
مقترحات لمعالجة الظاهرة
لا بد من تفعيل العقوبات القضائية ضد الممتنع عن تنفيذ الزيارة، بما في ذلك الإنذارات القضائية، وفرض الغرامات أو اتخاذ أي قرارات أخرى بصفة عاجلة في تعديل الحضانة، فضلاً عن عدم التهاون في إيقاع الجزاء القانوني المناسب، مع ضرورة استحداث نص تشريعي واضح وصريح يجرّم التحريض على الولي أو التأثير السلبي على علاقة الطفل بأحد والديه.
وفي المقابل، لا بد من إشراك الخبراء النفسيين والاجتماعيين والمراكز المختصة في قضايا الحضانة والرؤية، في مرحلة مبكرة لتقييم الأثر النفسي على الطفل ودعم وتوجيه الأسر في حالات الانفصال، وتقديم تقارير استشارية للمحكمة، مع ضرورة تدريب المختصين على طرق استكشاف وسائل التحريض، وإقامة برامج توعية قانونية ومجتمعية لتعريف أولياء الأمور بحقوقهم وواجباتهم، ولتعزيز ثقافة حماية مصلحة الطفل فوق النزاعات الشخصية.
وختاماً، لا بد ان ندرك أن حماية حق الطفل في بيئة أسرية متوازنة يتطلب تدخلًا تشريعيًا ومجتمعيًا عاجلًا، فحرمان الولي من رؤية ابنه هو ليس فقط حرمانًا من حق، بل اعتداء على مصلحة المحضون ذاته ومستقبله، وحيث أن مصلحة المحضون لا تتحقق فقط بحصول أحد الأبوين على الحضانة، بل بتمكين الطفل من التواصل الآمن والمستقر مع كلا والديه في سبيل العيش في حياة وبيئة صحية متكاملة. وبالتالي فإن حرمان الولي من هذا الحق، سواء بالمنع المباشر أو بالتحريض، لا يضر بالولي وحده، بل يمس جوهر شخصية الطفل ومستقبله وهو ما يتصل بالتأثير على كيان الأسرة والمجتمع. وعليه يقع على عاتق القضاء، والمشرّع، والمجتمع المدني مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة، وتحقيق التوازن المطلوب الذي يصون حقوق الأطفال، ويحافظ على وحدة كيان الأسرة وترابط المجتمع.


















































































