بقلم / ياسر عبدالله
في زمن أصبح فيه المؤهل هو البوصلة التي تحدد قيمة الإنسان ونوعية الفرص المتاحة له يضيع المعنى الحقيقي للتعليم فلقد تحولت الشهادة من دليل على المعرفة إلى صك اجتماعي يُكسب صاحبه الإحترام والمكانة بغض النظر عن محتوى عقله أو ثقافة روحه ولكن مهلا دعونا نتوقف لحظة أمام هذا الوهم الكبير هل التعليم حقا مُختزل في قصاصة ورق تحمل ختم جامعة و هل يقف حاجز الشهادة عائقا أمام العظماء ويصنع من حامليها قامات فكرية بالضرورة إن التاريخ يصرخ في وجوهنا بالجواب لا فكم من العقول النيرة أضاءت دروب البشرية وهي لم تتلق تعليمها في قاعات المحاضرات وكم من حاملي أعلى الدرجات العلمية ما زالت عقولهم مغلقة يحيط بها سياج من الجهل الفكري والثقافي الذي لا يكسر إلا بالسعي فالتعليم ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة للإرتقاء بالعقل والروح إنه عملية مستمرة من التنوير تبدأ ولا تنتهي فإن جوهر التعليم هو القدرة على ربط الأحداث وتحليل المعلومات و إمتلاك حس نقدي وفهم أعمق للوجود و هذه المهارات وهذا النضج الفكري والثقافي لا يمنح بشهادة بل تكتسب بالفكر والمطالعة المستمرة في جميع فروع المعرفة من الأدب والفلسفة إلى العلوم والتاريخ وغيرهم فها نحن على صفحات التاريخ نجد أمثلة صاعقة تبرهن على أن الإرادة المعرفية تتفوق على القيود الورقية ولم تكن الشهادة هي مفتاحهم بل كان فضولهم الذي لا يشبع وعطشهم للمعرفة والإبتكار فنجد في عالمنا العربي الأديب الكبير عباس محمود العقاد أحد عمالقة الأدب والفكر اكتفى بالشهادة الإبتدائية لكنه علم نفسه بنفسه ليصبح موسوعة أدبية وفكرية بأكثر من مائة كتاب وكذلك الشاعر العامي الأشهر أحمد فؤاد نجم الذي تفوق على الجميع بلا مؤهل جامعي والروائي جمال الغيطاني الذي أثرى المكتبة العربية بأعمال مهمة رغم حصوله على دبلوم صناعي ومن الشخصيات العالمية المؤثرة مثل ليوناردو دافنشي كان تعليمه الرسمي متواضعا لكنه أضحى رمزا للنهضة في الفن والعلوم والهندسة ونجد أيضا شخصيات كثيرة كـ بيل جيتس و مارك زوكربيرج اللذان لم يكملا دراستهما الجامعية ليؤسسا إمبراطوريات غيرت وجه التكنولوجيا وهل منعهم غياب الشهادة من أن يكونوا عظماء بالتأكيد لا فلقد أدرك هؤلاء أن المعرفة ليست حكرا على المؤسسات الأكاديمية و في المقابل يواجه المجتمع تحديا أكبر وأكثر خفاء إنه الجهل الفكري والثقافي لدى أصحاب المؤهلات العالية نعم قد يكون الشخص حاملاً لشهادة الدكتوراة لكنه يعيش في شرنقة ضيقة من تخصصه و يجهل تاريخ أمته أو قضايا محيطة أو أساسيات الفن والحياة فهو شخص يمتلك أداة دقيقة وهو التخصص ولكنه يفتقر إلى الثقافة العامة هذا النوع من الجهل هو الأخطر لأنه يتخفى وراء ساتر أكاديمي يمنحه حصانة إجتماعية كاذبة فيصبح غير قادر على المشاركة بفاعلية في الحوار المجتمعي أو حتى إتخاذ قرارات متوازنة فالتعليم الحقيقي يجعلك متوازنا ومتصالحا مع ثقافتك وتاريخك قادرا على تقبل الرأي الآخر محبا للإطلاع وباحثا عن الحقيقة بعيدا عن السطحية والشائعات فالجهل لا يقتصر فقط على عدم معرفة القراءة والكتابة بل يمتد ليشمل ضيق الأفق والتعصب للرأي وعدم القدرة على إستيعاب المختلف وهذه الأمراض الفكرية يمكن أن تصيب حامل أعلى الشهادات إذا لم يكن لديه نهم دائم للإرتقاء الذاتي والتجديد الثقافي
إن رسالتنا هنا ليست تبريرا للتخاذل عن السعي الأكاديمي لمن يملك الفرصة بل هي رسالة واضحة الإدانة الحقيقية ليست لفاقد الشهادة بل لفاقد الطموح في الإرتقاء بالنفس وأن تكون من غير حملة المؤهلات العليا لا يعني أنك جاهل لكن أن تترك نفسك للجهل الفكري والثقافي هو تقصير في حق ذاتك ومجتمعك فالإرتقاء الذاتي هو الالتزام بأن تكون أفضل نسخة من نفسك بإستمرار وهو يتجسد في قراءة الكتب في مختلف المجالات متابعة الدورات والإستماع للخبراء في كافة المجالات والتفكير الناقد والمستقل
هذه هي الثروة التي لا يمكن لجامعة أن تمنحها لك ولا يمكن لنقص شهادة أن يحرمك منها
وفي الختام يجب علينا أن نغير نظرة المجتمع للتعليم فالمؤهل قد يفتح لك باب الوظيفة لكن ثقافتك ومعرفتك الحقيقية هي التي تفتح لك أبواب التأثير والتميز والإبداع فلا تجعلوا من قصاصة الورق حاجزا يفصل بينكم وبين طموحكم للإرتقاء الفكري والثقافي تذكروا دائما التاج الحقيقي الذي لا يسقط أبدا هو تاج العلم المكتسب بالجهد الذاتي المستمر والمهمة ليست في الحصول على الشهادة فقط بل في أن تكون شخصا لا يتوقف عن التعلم.


















































































