بقلم/ د. شعبان علم الدين شوقي
لم يعد مفهوم العدالة في العصر الحديث حكرًا على المحاكم الوطنية، ولم تعد الدولة وحدها هي الحارس الأوحد لفض المنازعات، بل برز التحكيم الدولي كآلية قانونية عابرة للحدود، تعيد صياغة العلاقة بين القانون والسيادة، وبين المستثمر والدولة، في إطار أكثر مرونة وتعقيدًا في آنٍ واحد.

لقد نشأ التحكيم في الأصل كوسيلة استثنائية، يلجأ إليها الأطراف هروبًا من بطء القضاء وتعقيد إجراءاته، إلا أنه سرعان ما تحول إلى نظام متكامل، له قواعده ومؤسساته، بل وله فلسفته الخاصة التي تقوم على فكرة “عدالة الإرادة” مقابل “عدالة السلطة”. فبينما يستمد القضاء سلطته من الدولة، يستمد التحكيم شرعيته من اتفاق الأطراف.
غير أن هذه الحرية التعاقدية التي يقوم عليها التحكيم، تثير إشكاليات عميقة، خاصة عندما يكون أحد أطراف النزاع دولة ذات سيادة. فهل يجوز لدولة أن تتنازل عن اختصاص قضائها الوطني لصالح هيئة تحكيم دولية؟ وهل يشكل ذلك مساسًا بسيادتها؟
الإجابة لا يمكن أن تكون قاطعة، إذ أن الواقع العملي أثبت أن الدول نفسها أصبحت من أكبر المستخدمين لنظام التحكيم، خاصة في منازعات الاستثمار. بل إن قبول الدولة بالتحكيم لم يعد يُنظر إليه كتنازل عن السيادة، وإنما كأداة من أدواتها الحديثة، لجذب الاستثمار وتحقيق الثقة في بيئة الأعمال.
وفي هذا السياق، تلعب اتفاقية نيويورك لعام 1958 دورًا محوريًا، حيث أرست مبدأ الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، وهو ما منح هذا النظام قوة فعلية، وجعله منافسًا حقيقيًا للقضاء الوطني.
لكن، وعلى الرغم من هذه المزايا، يظل التحكيم محل جدل، خاصة فيما يتعلق بالشفافية، وإمكانية الطعن، واحتمالات التحيز. فغياب درجات التقاضي التقليدية، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى شعور بعدم كفاية الضمانات، خاصة في النزاعات الكبرى.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين القضاء والتحكيم، بل في تحقيق التكامل بينهما، بحيث يصبح كل منهما مكملًا للآخر، لا بديلًا عنه.
وفي الختام، يمكن القول إن التحكيم الدولي لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة يفرضها الواقع الاقتصادي العالمي، غير أن نجاحه يظل مرهونًا بقدرته على تحقيق التوازن بين مرونة الإجراءات، وضمانات العدالة.


















































































