قصة بقلم منال الأخرس
جلس وحيدا يقلب أوراقا ربما تضاءلت أهميتها ،زادت فرصة تخلصه منها بعدما أشفق على حقيبته منها ؛تلك المزدحمة بالمجلات والجرائد والمستندات والكتب والمراجع المتنوعة في القانون وحقوق الإنسان ، تخدم دراساته وعمله كمحكم دولي وحقوقي بارز ، قفزت من بين تلك الأوراق صورة؛ تجمع بينه وبين شخصية ذات أهمية عنده ، هكذا نطقت ملامحه وأقرت أمامي ؛ فلم أفلح في اختطاف نظراته لي ، رغم تركيزي الشديد عليه، ورغم أن ما يفصلني عنه فقط عدة سنتيمترات ؛ هي المسافة بين مقعده و مقعدي في القطار ؛ المتجه للإسكندرية ،فقد جمعتنا المصادفة لحضور مؤتمر دولي هناك.
كانت عندي خلفية عنه فهو ذئب يجيد اقتناص الفرص في كل شيء .
فما أصبح عليه من مركز علمي دولي كان وراءه فتاة ؛ أحبته وساندته في الحصول على فرصة عمل بإحدى الهيئات الدولية، إلا أنه ما أن اقتنص فرصته تلك تركها ، وربما تركته هي ؛ بعد أن تكشفت أمامها حقيقته ؛ التي لا تخفى على كل من تعامل معه .
عدت لأقرأ ملامحه القاسية ؛ إلا أنى لمحت دمعة تجمدت بين جفنيه ، مما حفزني على اقتحام تلك اللحظة ؛فما يحكى عنه من قسوة تبدد أمامي .
بادرت بتحيته وأظهرت له مدى إعجابي به- فهو مثلى الأعلى في أشياء كثيرة ما عدا الاقتناص الذي يحكى عنه- رد تحيتي بهدوء وقال :
لقد أنقذني حوارك من اقتناصها لي ؛ فكدت أن أكون فريسة لها مرة أخرى ،استنتجت عمن يتحدث وقلت :
فلماذا تركتها بعد ذلك الحب الذي أحبته لك ؟
رد بفتور : “لقد طلبت منى هي ذلك ؛فلن أنسى ذلك اليوم الذي توسلت لي فيه أن اتركها ، وألا أحاول الاقتراب من حياتها أبدا، حتى وإن طلبت منى هى ذلك ، وأن على أن أساعدها فى هذا القرار، وألا أضعف أبدا إذا تراجعت هى عن ذلك ، عاهدتها في ذلك اليوم أن أنفذ ما طلبته منى ،كان ذلك لتأكدها أننا لا يمكن أن نبدأ معا حياتنا، حتى وإن كان ارتباطنا فسوف تكون النهاية حتمية بالانفصال . وعلينا أن نوفر على أنفسنا ذلك من البداية؛ فكلانا لن يصلح للآخر . طلبت منها مرارا وتكرارا أن تعيد النظر فى هذا القرار، إلا أنها أكدت لى أنه قرار نهائي ولا رجعة فيه. وإن تراجعت هي فعلى أن ألتزم أمام الله ألا استجيب لهذا التراجع ،كانت في ذلك اليوم فى منتهى القوة وكنت فى منتهى الصبر ….. ……. وكان ما كان ”
وفى دهشتي سألته :وهل تراجعت عن قرارها؟
بحزن أجاب :نعم تراجعت كثيرا، إلا أنى حافظت على عهدي رغم احتياجي إليها، ولن أنسى أبدا أنها كانت سندي في ظروف كثيرة، وكم قدمت لى أشياء فأنا مدين لها ؛فقد أنقذت مستقبلي ؛ من خطر محتم في الوقت الذي تخلى عنى فيه الكثيرون من أصدقائي والمقربين وحين طلبت معونتها رغم خطورة ذلك عليها لم تتردد في مد يد العون لإنقاذي.
في فضول منى أسرعت :بعد أن تركتما بعض؟
بصوت ضعيف قال :نعم بعد أن ذهب كلانا في طريق وتعجبت من فعلها ذلك وفسرته على أنها لازالت تحبني ، إلا أن العهد لازلت أحافظ عليه ،أدهشتني عندما حاولت أن أشكرها ، فأكدت لى أن لا مجال لشكر على واجب ،عندها أكدت لها أنى مدين لها، وأنى عل استعداد تام لرد الجميل ، وأنى لن أتردد لحظة في أن أكون في خدمتها في أي وقت أو أمر أو ظرف يتطلب ذلك … إلا أنها بادرتني برد جعلني أتضاءل أمام نفسي :
“أنا لا استعين في همومي وأزماتي ببشر فأنا أحمالي لا يقدرني عليها سوى الله ولن أطلب العون من سواه وليس ذلك لكل البشر”
شعرت حينذاك بضعفي وضآلتي وعجزي ……
قلت له:يال المفارقة و ياله من ألم !! ليت الجميع يدرك ذلك.


















































































